20‏/2‏/2009
1965

"قهوة زيادة لو سمحت "


قلتها إجابة لسؤال النادل الصامت عم أريد .. جالسا في مكاني المفضل بمقهاي المفضل منتظرا صديقي المفضل كي يأتي و قد تأخر عن موعده كعادته التي أؤنبه عليها دوما .. ويتعلل بأنه لم يتأخر سوى عشر دقائق (بالكتير) في حين أنه تأخر قرابة نصف الساعة أو أكثر .. لا أحب التأخير عن المواعيد ، خاصة التأخر الزائد .. بالأحرى أكره كل ما يزيد عن الحد .. أكره المبالغة في ارتداء الملابس بحجة التأنق .. المبالغة في وصف شيء ما .. المبالغة في الضحك .. الخ .. ربما كانت القهوة هي الاستثناء الوحيد لذلك .. وهي الشيء الوحيد الذي أفضله زيادة ..


يأتي النادل يضع لي القهوة مع كوب من الماء غالبا لن أشرب منه نقطة .. أبدأ في ارتشاف القهوة و أجول ببصري في المكان بنظرة ملول بعد أن نظرت في ساعتي لأكتشف أنني هنا منذ ربع ساعة ولم يظهر صديقي المغوار بعد ..


مزيج غريب من الوجوه تراه أمامك في المقهى .. شباب – صبية – رجال من كافة المستويات الاجتماعية والمادية .. هناك من يجلس متوترا ينظر في ساعته كل فترة ويدق بقدمه بعصبية على الأرض .. و هناك من انشغل في محاولة احداث اكبر قدر من الصخب باستخدام قطع الدومينو كمطارق لإثبات أنه حي ويستمتع بوقته .. هناك من انهمك في حديث لا تسمعه مع رفيقه .. هناك ذلك العجوز متعضن الوجه الذي تجده في جميع المقاهي ولا هم له سوى امتصاص المعسل وكأنه ترياق الحياة .. هناك الكثير من الوجوه و كثير من الأصوات محصلتها همهمة غامضة يتخللها بين الحين والحين ضحكات عالية من هنا ، و سعال من هناك ، و أصوات قرع الدومينو والطاولة ، وصوت النادل يهتف على زميله بالطلبات من بعيد لإعدادها ....

نظرت لساعتي من جديد ، ثم رفعت عيني في ضيق معيدا إياها لنظرتها الملول في أنحاء المكان ..

"واحد لمون يا برنس وحياتك بس في السريع "

انتقلت بعيني بنظرة روتينية لأتأمل الوافد الجديد .. توقعت أن يكون شابا نظرا لطريقته في الكلام ، ولكنه لم يكن كذلك وهو ما لفت انتباهي اليه بشكل كبير ..

رجلا هو .. امتلأ وجهه بتجاعيد تشي باقتراب الستين منه .. يرتدي ملابس لا تليق بسنه على الإطلاق ، وقد صبغ شعره بالكامل بالأسود .. و إذا أضفت للسابق طريقة جلسته وطريقة تعامله عموما ، فستفهم بالتأكيد الضيق الذي اعتراني عندما شاهدته .. فقد كان مثالا لما أكره من المبالغة .. مبالغة تشرب الليمون و تظن أنها في العشرين ..

وجدته ينهض .. وبدأ يسير نحوي .. لا أظنه جاء ليجلس معي .. من غير المعقول أن يكون قد ترك كل هذا الجمع الغفير كي يأتي ليجلس معي انا بالذات .. هناك احتمال لا بأس به أن يكون متجها للحمام .. أو أن يكون ذاهبا لأي مكان آخر .. و لكن نظرة عينه التي تركزت علي وخطواته الثابتة نحوي جعلتني أدرك أمرا هاما ..

"ايه ياعم قاعد لوحدك وواخدلك جنب كده ليه .. المزة فرقعتك والا ايه "
قالها ضاحكا متخذا كرسيه بجواري .. يبدو أنه ليس متصابيا فحسب بل هو طفيلي كذلك ..

"نعم ؟؟ "

"نعم الله عليك .. انا بس لقيتك قاعد لوحدك وشكلك مفقوع قلت آجي اقعد معاك ندردش شوية و نلعبلنا دورين طاولة والا حاجة .... الطاولة يابني "

وكأن هذا ينقصني !! طاولة أيضا .. ماذا أصنع .. أريد أن أجعله ينصرف ولكن بشياكة قليلا .. ربما كان متصابيا لزجا ولكن لا تنس أنه في عمر والدك ..

"والله يا حاج (ضاغطا أحرف الكلمة الأخيرة) انا بس مستني واحد صاحبي و هو على وصول ان شاء الله "

هو: "يا سيدي على ما ييجي .. ثم ايه حكاية حاج دي .. انا اسمي محسن يا سيدي"

اللعنة ! .. هو مصرّ إذن؟ .. ما العمل .. الشياكة لم تأت بنتيجة ..

"لا ازاي يا (حاج) بس .. حضرتك في عمر والدي وماينفعش أنده لك بإسمك بس .."

هو :" ايوه بس ......................"

"ثم انا مابعرفش العب طاولة !! "

استمر هو في محاولاته للبقاء ، واستمريت بدوري في اثنائه عن ذلك ..و الحقيقة أنني تخليت عن مبدأ الشياكة تماما لأنها لم تؤت ثمارها ،وبدأت في معاملته بجفاف شديد .... ثم بعد فترة ، وبعد أن أتى الليمون الذي طلبه .. ظهر اليأس على ملامحه ، ثم ارتشف رشفة وحيدة من كوبه و نهض وقد ظهر على وجهه حزنا خفيا و مشى مسرعا خارج المقهى ..(سحقا .. من سيدفع ثمن ليمونك الأحمق .. لن أدفع مليما واحدا)

شعرت بشيء من تأنيب الضمير وقتها على ما فعلت .. ربما كان من الأفضل أن أحادثه بشيء أكثر من اللياقة .. ولكن صديقي المنتظر كان قد أتى أخيرا ، فاستكان ذلك الشعور داخلي سريعا لانشغالي بلوم صديقي على تأخره .. وإن لم أترك جليسي السابق يغادر نطاق بصري .. و رأيته قد وقف خارج المقهى معطيا ظهره إياه .. يتأمل شيئا في يده خمنت أنه صورة ما .. ثم نظر لأعلى مطلقا زفرة حارة طويلة .. وهز رأسه يمنة ويسرة في تحسّر واضح و تمتم بشيء ما لم أسمعه .. ثم انصرف سريعا .. لمحت وقتها وكأن ما خمنت أنه صورة قد سقطت من يده أو أنه ألقاها .. لم أكن متأكدا تماما .. ولكني لإسكات ضميري قمت من مكاني وناديت الرجل

"يا حاج .. فيه حاجة وقعت منك"

ظننت أنه لم يسمعني لأنه لم يبد أي رد فعل لما قلت .. ولكنه توقف فجأة واستدار ببطء .. وأدهشني تغير لهجته تماما حتى ظننت أنه شخصا آخر .. و إن كان الآن يبدو أقرب لما هو عليه فعلا ..

"مافيش حاجة وقعت .. أنا اللي رميتها "
ثم توارى عن ناظري سريعا تاركا إياي لدهشتي ..


حكيت لصديقي عم حدث ولم يره .. فأخبرني أن نفس الرجل أتى للمقهى أكثر من مرة و حاول أن يصادق بعض الشباب الموجودين وقتها ، إلا أنهم سرعان ما زجروه ساخرين منه .. بل و أطلقوا عليه لقب الحاج الروش

هممت بقول شيء ما ولكني تذكرت شيئا هاما .. قمت من مكاني واتجهت للمكان الذي وقع فيه ما راهنت أنه صورة .. وقد كانت بالفعل .. صورة باهتة قديمة بالأبيض والأسود تظهر مجموعة من الشباب يقفون صفا واحدا مبتسمين للكاميرا وقد رسم أحدهم بالقلم الأحمر دائرة حول أحد الوجوه ..

"ايه يابني .. بتعمل ايه عندك "

بذهن شارد أجبته "ايوه ايوه جاي اهو "

قلبت الصورة لأجد كتابة على ظهرها ..


1965


رحلة الأقصر وأسوان
من اليمين .. فوزي اليماني .. علي المصري (عجوة) .. العبد لله .. السعيد البشبيشي (المخضرم)

للذكرى الخالدة


ثم بخط صغير لا يكاد يرى بالأسفل يشي بأن من كتبه هو نفس الشخص وإن كان هناك بعض الاختلاف النسبي ..


كلهم ماتوا




قلبت الصورة مرة أخرى وأخذت أتأملها طويلا .. ثم رمقت الطريق الذي انصرف منه "محسن" وقد دمعت عيناي .. وعدت لأركز نظري على الوجه الشاب الذي يتوسط الدائرة الحمراء ..





وجه محسن


التسميات:

 
posted by سيدوفسكي at 3:09 ص | Permalink | 5 comments
6‏/11‏/2008
بالأمس .. الذي مازال قريبا
أشعل سيجارتي الثانية لذلك اليوم بشرفة منزلنا العزيز ، الذي يحتل الطابق الأرضي بالعمارة التي نقطنها .. أسحب نفسا عميقا لأزيد من نسبة النيكوتين السابحة توازيا عبر عروقي مع الدم .. أترك الدخان ينطلق من فمي إلى الهواء لأزيد نسبة تلوث البيئة مساهما في توسيع الثقب المزعوم بالأوزون .. يقولون أننا - بني البشر - قد ساهمنا بشكل ما في ثَقب طبقة الأوزون التي تحمينا من شيء ما لا أذكره الآن للأسف ، وأن الأمور لم تعد كما كانت من قبل .. لا أدري على وجه التحديد الدقة العلمية لهذا الموضوع ،فلست متخصصا في تلك الأمور كما أنني لم أعتد الإيمان بالمسلمّات دون فحص، ولكنني أتفق وبشدة مع شيء واحد هو أن الأمور لم تعد كما كانت من قبل حقا .

بالأمس الذي أراه قريبا ، ويصر الآخرون على مضي عقد ونيف عليه، كنت أقف كما يقف أمامي الآن أولئك الصغار الذين يلعبون ألعابا لا تدري جدواها أو متعتها عند تجاوزك العشرين .. ولا تفهم و أنت في العاشرة لماذا يصر الكبار على نهرك باستمرار أثناء اللعب متعللين بأنه " مش عارفين ننام" أو "كده تعوّر نفسك" أو "كفاية لعب وتعالى اتعشى ونام " .. الآن أقف أنا في ذات الشرفة التي تدليت منها مرارا ، وقفزت خارجا منها وداخلا إليها بدعوى التسلية .. أفكر .. لماذا تضايقني أصواتهم أثناء اللعب ، ولماذا أكره - بشكل ما - وجودهم حولي وأتمنى رحيلهم حتى يتأتى لي الاستمتاع بتوسيع ثقب الأوزون دون ضوضاء ؟

أسحب نفسا آخر .. أتأمل العمارات التي تحيطني من كل جانب مانعة إياك من الاستمتاع بلذة الفراغ المكاني ، اللهم إلا من جزء صغير نسبيا .. أنظر عبره راسما بخيالي ما كانت عليه المنطقة بالأمس الذي - مازلت - أراه قريبا .. لم تكن هناك تلك المربعات الخرسانية من حولي .. ربما لأنها مدينة جديدة فكان الفراغ هو سمتها المميزة .. وربما لأنها كذلك أيضا زحف العمران عليها آتيا على الفراغات واحدا تلو الآخر ، تاركا فراغات من نوع مختلف بداخلي ..لازلت أذكر ذلك المكان المجاور للأرض الأسفلتية التي كنا نلعب عليها الكرة ، والذي كنا نحضر منه الكرة كلما شردت إثر ركلة طائشة من قدم أحدنا .. لازلت أذكر الوقت الذي زلّت فيه قدماي ووقعت على ظهري و قمت وأنا أبكي .. لا أدري حقا لم بكيت .. هل بسبب اتساخ سروالي جراء الوقوع على الأرض الطينية ، أم بسبب حرجي من الوقوع بذلك الشكل أمام أقراني .. المهم أنني بكيت .. والمهم أن المكان الآن مُحتَلّ من قبل عدة من المربعات الخرسانية التي تتدلى من شرفاتها بعض الملابس التي تركت لتجف والخاصة بقاطنيها .. ترى .. هل يعلم أحدهم أي شيء عمّ قلت .. أو أي شيء عمّ لم أقل ..؟
لم تعد الأمور كما كانت حقا ..

نفسا آخر و المزيد من الاتساع للأوزون .. الصبية أمامي يمسكون بشيء مضيء اكتشفت أنه هاتف جوال .. صبية دون العاشرة أو فوقها يتبادلون النغمات وربما صور مغنيين أو ممثلين عبر الأثير مرددين "بلو توث" و "ماسدج" .. أتذكر نفسي وقتها و أنا ألعب "استغماية" أو "السبع طوبات" .. ربما يلعبون هم أيضا ما كنت ألعبه من قبل - وهو ما لم أره في الواقع - .. ولكن لا أدري .. أنظر لهم مرة أخرى فلا يسعنى إلا أن أبتسم بشيء من الحزن ربما ..
لم تعد الأمور كما كانت من قبل ..


الطريق الذي اعتدت قيادة دراجتي فيه .. لم أعد أهوى قيادة الدراجات ..
أين ذهب ولعي بكرة القدم ..
سلاحف النينجا .. كابتن ماجد .. مازنجر .. النوم في التاسعة تمهيدا للاستيقاظ مبكرا من أجل الذهاب للمدرسة ........

نفس السيجارة الأخير .. أترك العقب يهوى على الأرض .. ألقي نظرة خارجية أخيرة على الموجودات حولي وداخلية على المفقودات بداخلي .. أتنهد ببحرارة .. أسمح للدخان بالخروج من صدري ليملأ بدوره الفراغ الهوائي من حولي ..

أغلق باب الشرفة من خلفي ..



التسميات: ,

 
posted by سيدوفسكي at 11:34 م | Permalink | 5 comments
14‏/3‏/2007
!! البمبة الكبيرة ياعمي .. والعيال كتيرة
بداية .. المقالة الحالية مبنية على التحقيق الرائع بعنوان ياحلاوة ع التفاهة من مدونة صخب أنثى .. ولا أنصح أحدا يقبل على قراءة ما كتبت ، إلا بعد أن يطالع ذلك التحقيق سابق الذكر ، المكتوب بلغة عامية جميلة - والأهم - صادقة


يلا يا جماعة عشان هانبدأ التسجيل كمان 5 دقايق .. كله ياخد مكانه بسرعة عشان نبقى جاهزين .. فتحي .. أول ما الأستاذة تديك الإشارة تقرب الكاميرا عليها و على الضيف اللي معاها تمام ..؟ .. وبعدين هي فين الأستاذة .. يا أستاذة حنااااااااااااااان

طبعا من السهل عليك أن تلاحظ طبيعة قائل العبارة السابقة .. واضح من كل خلجة من خلجاته أنه مخرج شيء ما .. كلهم يتصرف بهذه الطريقة المتسرعة ، ويبعثر كلماته وتوجيهاته على الجميع راسما علامات الخطورة على وجهه

يووه طيب .. جاية أهو

وطالما كان المتحدث الأول هو المخرج ، فمن الطبيعي أن تكون متحدثتنا السابقة هي الأستاذة المعنية .. وبما أنها أستاذة فقد كانت تفعل نفس الشيء الذي تفعله كل الإناث يتأهبن للظهور أمام الكاميرا .. تتأكد من وضع لمساتها الأخيرة على شعرها ، وتتيقن من توزيع الألوان على وجهها .. الأزرق فوق العينين ، الأخضر تحتهما .. همممممم جميل .. ولا بأس من بعض البنفسجي المختلط بالأصفر بشكل ما .. هذا بجانب خليط غريب جدا من الألوان الأخرى يندر وجودها في أغلى علب الألوان الفلوماستر

ها .. جبتوا العيال والا لسة ؟

هتفت بالعبارة أستاذتنا السابقة ، وهي تضيف المزيد من اللون الأزرق لشفتيها مخاطبة أااا.. لا أدري تحديدا من تخاطبهم .. هو واحد من هؤلاء الأشخاص الذين يعج بهم أي موقع تصوير ولا أدري لهم فائدة سوى أن يتم الصراخ بهم من قبل الجميع ..

مالقيناش غير واحد بس يا مدام .. الباقيين ماحدش رضى .. سمعتهم بيقولوا مش عارف أبوهم ماله ولازم يمشوا عشان شغل ايه .. حاجة كده

ييييييييييييه .. يعني كل ده وفي الآخر جايبينلي واحد بس .. وعمالين نقول للمشاهدين ترقبوا ترقبوا وانتظروا وفي الآخر تجيبولي واحد ..وبعدين يعني هما هاييجوا بلوشي .. ماحنا هانديهم حقهم في الآخر.... نهايته .. نقوم نصور القرف ده ونخلص عشان مش فاضية

قالتها الأستاذة حنان ثم قامت من مكانها .. ولم تنس أن تنظر نظرة أخيرة على مرآتها .. وما لبثت أن ابتسمت لصورتها المتكونة في المرآة ، وأعطت لها قبلة في الهواء .. ثم تحركت لتأخذ مكانها

جاهزين يا أستاذ علي .. اتكل على الله يا ريس .. أااا (متداركة).. أاا أسدي .. نبدأ نسوّر بأة

وعلى أثر كلماتها الأخيرة تحرك الأستاذ على الذي - كما لابد وأن لاحظتم- كان المخرج ، وجلس على كرسيه وأشعل غليون غريب المنظر فقط ليشعر بالعظمة والروعة .. وتحرك الجميع لأخذ مواقعهم في حماس وكأنهم سرية من الجنود يتعرضون لهجوم كاسح

وأمام أستاذتنا حنان ، جلس صبي في حدود الحادية أو الثانية عشر .. المثير للدهشة هنا هو تناقضه مع المظهر العام المحيط كله .. ملابسه أقل ما يقال عنها أنها استهلكت حتى فقدت ملامحها تماما، ولكنها لم تفقد وظيفتها على الأقل فيبدو أنها تنجح في إدخال الدفء إلى جسده بشكل ما .. ربما يعطيك هذا الوصف السريع لملابسه تخيلا عاما على مظهره العام ككل ، وربما جعلك تفهم سر تناقضه مع كل ما يحيط به في موقع التصوير

يلا يا جماعة .. هانبدأ نسجل .. 3 .. 2.. 1 .. أكشن

قالها المخرج .. وعلى أثرها ، ارتسمت ابتسامة مفاجئة على وجه الأستاذة حنان ، وجهتها نحو الكاميرا المسلطة عليها .. ثم وضعت الميكروفون أمام وجهها

أعزائي المشاهدين .. وكما وعدناكم ووعدتكم أسرة قناة (........) فإننا نفي بوعدنا كما .. الخ - ربع ساعة في كلام من هذا النوع - .. وزي ماحنا عارفين يا جماعة أنه أيامنا دي الوضع بقى سعب .. سعب .. سعب ( تقولها بتأثر واضح) .. يعني بدأنا نلاقي أطفال عايشين في الشوارع وكده ، وطبيعي بيبقى الجو حواليهم مش نضيف خالص .. لا ويمكن كمان بيناموا على الأرض ؟! .. تخيلوا يا جماعة .... بس سيبكوا انتو .. احنا النهاردة مش هانتكلم عن أطفال الشوارع .. ماهو مش عشان الواد اللي جابوهولـ ... أاقصد الطفل اللي مستضيفينه هنا هدومه وسـ ... أااكصدي هدومه مش نضشيفة يبقى شوارعي .. لا يا جماعة ماتحكموش بالظاهر "أركوكم" .. الطفل اللي معانا النهاردة هو نموذج للأطفال اللي بيشتغلوا في سن زوغيورة .. وعشان ماطولش عليكوا .. نبدأ بقى أسئلتنا له

ثم اتسعت ابتسامة أستاذتنا أكثر من السابق حتى ظن من رآها أن خديها التصقا بعيناها التصاقا
ازيك يا حبيبي

في الواقع أن الصبي كان مرهقا أصلا قبل أن يأتي للتصوير .. فهو قد أمضى اليوم كله - أو قل معظمه - على ظهر المركب .. وبالإضافة إلى شعوره بالملل أيضا من كلام الأستاذة حنان، فربما نجد أن هذا مبررا كافيا له كي ينام على كرسيه .. الأمر الذي لاحظته أستاذتنا حين التفتت لأول مرة منذ بداية التسجيل نحو الصبي .. فقامت بلكزه في حركة سريعة ، فأفاق وانتبه لما يحدث حوله

الحمد لله يا أبلة .. ماشي الحال

قل لي بقى بس بسرعة شوية عشان وقت التصوير بدأ ينتهي.. انت من امتى بتشتغل .. وليه اشتغلت .. والحاجات دي يعني وكده ؟

انا من مدة وانا باشتغل .. ييجي من حوالى سـ ....0


يبدو هنا أنه كان يحاول إخبار أستاذتنا الهمامة أنه يعمل منذ ست سنوات ، وأنه لولا مرض والده وعدم قدرته على إعالتهم وحده لما عمل في تلك السن .. ربما لو كان الأجر الذي يتقاضاه والده بالكافي لتغير الأمر .. ربما .... ولكن يبدو أيضا أننا لن نعرف كل هذا لأنها قاطعته في حماس


وازاى باباك بيسيبك تشتغل كده ومش بيخليك تلعب مع صوحابك أو تروح نوادى وتلعب تنس وبولو وكرة ماءوكده يعني .. الحاجات بتاعت الأطفال الزوغيرين اللي في سنك كداهو .. ها .. بس ماتنساش وقت البرنامج .. ها يلا قول بقا


بلبل !.. بلبل ايه ده يا أبلة .. احنا آخرنا نقعد مع بعض نتساير ونشدّ م "الكنتعة" وبس


(باشمئزاز شديد) .. كنتعة !! .. تطلع ايه دي


الكنتعة يا أبلة حاجة زي الشيـشـ ....0


يخيل إليّ أنه كان على وشك إخبارها أن الكنتعة هي أداة تحمل ذات السمات الوظيفية للشيشة ، وتختلف عنها في الشكل حيث أنها عبارة عن برطمان - مرطبان لو شئنا الدقة اللغوية - مغلق الفوهة بالفلين ولكنه يحتوي على فتحتان .. فتحة "التسليك" وهي الخاصة بعود البوص لاستنشاق الدخان .. الأخرى هي فتحة "المزاج" والخاصة بوضع تعميرة الدخان عليها .... ولكننا مرة أخرى للأسف الشديد لن نعلم هذا لأن أستاذتنا فائقة الحماس قاطعت المسكين للمرة الثانية


ما علينا يا حبيبي .. يعني شكلها حاجة بتدخنوها وخلاص .. باقولك وقت البرنامج .. بس يعني انت ايه خلاك تعمل كده .. يعني بتدخن وبتشتغل يعني عاوز تحس أنك شاب وكبرت وكده .. والا انت ايه في ليلتك الـ .... أاا والا ايه يا حبيبي ؟


(بابتسامة تحمل أطنانا من السخرية) .. شباب ايه اللى عاوز أعمل زيهم .. بعدين حضرتك الناس الشغالة فى البلد هم العواجيز و لامؤاخذة العيال .. الشباب آخرهم في البلد دي يدخنوا وبس


الله .. طب والله شطور .. طب قولي يا حبيبي .. لما انت كنت في ال .. الخ الخ


واستمر التصوير في البرنامج على نفس النهج السابق لمدة نصف ساعة أخرى تقريبا .. استهلكت منها أستاذتنا ربع ساعة من أجل الخاتمة ، وحوالى عشر دقائق في مقاطعات وأسئلة للصبي .. ثم بعد الانتهاء من كل هذا مالت الأستاذة على الصبي


يلا يا بابا .. خلاص خلصنا .. صحيح كنت هانسى .. خد المكافئة الكبيرة بتاعتك أهي ( وناولته شيئا في يده) وبالسلامة ورينا عرض كتفاك




-----------------------------------------
-----------------------------------------



صفحة من مذكرات شاب

أثناء عودتي المعتادة من الكلية ، لاعنا اليوم الذي عتبت فيه بابها .. لاحظت على غير العادة تجمعا من رواد القهوة الشهيرة التي تقع في طريق عودتي الدائم ، والتي يضايقني دوما انبعاث رائحة دخان المعسل والتفاحة في مزيج غريب يثير غثياني .. فعلى الرغم من كوني مدخنا ، إلا أنني لا أطيق تلك الرائحة المنبعثة من الشكمانات التي يطلقون عليها شيشة

ولكن ما جذبني بطبيعة الحال لم تكن رائحة الدخان ، فقد تعودت عليها بمرور الوقت مع احتفاظي باشمئزازي منها .. ما جذبني حقا هو ذلك البرنامج الذي يعرض على شاشتها التى لم تكن تعرض سوى شيئين .. كرة القدم والمصارعة الحرة
لمحت في البرنامج صبي رث الثياب نوعا ، يحادثه ما ظننت لوهلة أنه مهرج - وهو ما جذبني أول الأمر - .. ولكني بعد أن اقتربت قليلا اكتشفت أن المتحدث امرأة المفترض أنها جميلة إلى الحد الذي يدعوها للابتسام بكل هذه السعادة وهي تتحدث
في الواقع لم أتبين موضوع الحديث جيدا ، فقد وصلت في نهاية البرنامج .. ولكن من محادثات رواد القهوة - الذين أعرف بعضهم بالفعل - استنتجت أن ذلك الصبي يعمل أو ما شبه ، كما أنه يدخن الشيشة ! .. اللعنة.. وكأنني لم أكتف باستنشاق رائحة الدخان، حتى أسمع عنها أيضا

وحول موضوع البرنامج نفسه انقسم رود القهوة لعدة أقسام .. فمنهم من كان يرى أن المذيعة "مزة زي القمر " بشكل ما .. ومنهم من كان يرى أن الصبي مخطىء بتدخين الشيشة .. البعض الآخر أبدى تعاطفا ملحوظا مع الصبي ، وانخرط في نقاش حاد حول الحلول اللازمة لمواجهة المشكلة التي يتعرض لها المسكين ، وعزى البعض السبب الرئيسي للحكومة ، واتهم آخرون شارون - رغم أنه مات - أنه المتسبب الوحيد فيم حدث ، فيم انبرى آخرون ونادوا أن المجتمع هو السبب الأوحد فيم يحدث

ويبدو أنهم انخرطوا في مناقشاتهم هذه إلى حد كبير ، لدرجة أنهم لم يلاحظوا ذلك الصبي الذي يقف بالقرب منهم يتابع ما يجري بأعين خاوية .. أظنه كان موجودا منذ بداية البرنامج ولكن أحدا لم يلق له بالا نظرا لملابسه الرثة قليلا ، ومنظره العام غير الموحي بالثقة لهم ولي على حد السواء
وظل على هذه الحال قليلا .. ثم استدار ومضى في سبيله .. وفي استدارته هذه حانت التفاتة قصيرة لوجهه .. لا أدري أظنه مألوفا إلى حد ما .. بل ربما هو يشبه ذلك الصبي الذي رأيته في البرنامج منذ قليل .. أو ربما لا يكون فهم يتساوون جميعا في نظري .. لا أدري .. وفي الواقع لم أهتم كثيرا ومضيت أنا الآخر .. والطريف أنني سرت في نفس الطريق الذي سار فيه ذلك الصبي

ويبدو أنه قد قابل صديقا له .. إذ أنني سمعت صوته وهو يقول له " دي حتى ما سألتنيش عن اسمي " .. ثم سأله صديقه عن مكافئة ما أو جائزة أو حق ما .. فمد يده في جيبه بسخرية - لا أدري كيف يمد يده بسخرية ولكنه قد حدث - وأخرجها مضمومة .. ثم قربها من فمه ونفخ فيها عدة نفخات ثم ألقاها على الأرض فأصدرت دويا قويا إلى حد ما

أسرعت الخطا قليلا حتى تجاوزتهما .. ولكن ترامى إلى مسامعي صوت صديق الصبي يسأله " ياعم انت بتهرج أومال ايه المكافئة الكبيرة اللى انت خدتها " فرد عليه بكلمة أدهشتني حتى الآن ولم أفهم معناها

قال له : بمبة كبيرة !!!! .. ثم سكت

التسميات: ,

 
posted by سيدوفسكي at 2:35 ص | Permalink | 2 comments