6‏/11‏/2008
بالأمس .. الذي مازال قريبا
أشعل سيجارتي الثانية لذلك اليوم بشرفة منزلنا العزيز ، الذي يحتل الطابق الأرضي بالعمارة التي نقطنها .. أسحب نفسا عميقا لأزيد من نسبة النيكوتين السابحة توازيا عبر عروقي مع الدم .. أترك الدخان ينطلق من فمي إلى الهواء لأزيد نسبة تلوث البيئة مساهما في توسيع الثقب المزعوم بالأوزون .. يقولون أننا - بني البشر - قد ساهمنا بشكل ما في ثَقب طبقة الأوزون التي تحمينا من شيء ما لا أذكره الآن للأسف ، وأن الأمور لم تعد كما كانت من قبل .. لا أدري على وجه التحديد الدقة العلمية لهذا الموضوع ،فلست متخصصا في تلك الأمور كما أنني لم أعتد الإيمان بالمسلمّات دون فحص، ولكنني أتفق وبشدة مع شيء واحد هو أن الأمور لم تعد كما كانت من قبل حقا .

بالأمس الذي أراه قريبا ، ويصر الآخرون على مضي عقد ونيف عليه، كنت أقف كما يقف أمامي الآن أولئك الصغار الذين يلعبون ألعابا لا تدري جدواها أو متعتها عند تجاوزك العشرين .. ولا تفهم و أنت في العاشرة لماذا يصر الكبار على نهرك باستمرار أثناء اللعب متعللين بأنه " مش عارفين ننام" أو "كده تعوّر نفسك" أو "كفاية لعب وتعالى اتعشى ونام " .. الآن أقف أنا في ذات الشرفة التي تدليت منها مرارا ، وقفزت خارجا منها وداخلا إليها بدعوى التسلية .. أفكر .. لماذا تضايقني أصواتهم أثناء اللعب ، ولماذا أكره - بشكل ما - وجودهم حولي وأتمنى رحيلهم حتى يتأتى لي الاستمتاع بتوسيع ثقب الأوزون دون ضوضاء ؟

أسحب نفسا آخر .. أتأمل العمارات التي تحيطني من كل جانب مانعة إياك من الاستمتاع بلذة الفراغ المكاني ، اللهم إلا من جزء صغير نسبيا .. أنظر عبره راسما بخيالي ما كانت عليه المنطقة بالأمس الذي - مازلت - أراه قريبا .. لم تكن هناك تلك المربعات الخرسانية من حولي .. ربما لأنها مدينة جديدة فكان الفراغ هو سمتها المميزة .. وربما لأنها كذلك أيضا زحف العمران عليها آتيا على الفراغات واحدا تلو الآخر ، تاركا فراغات من نوع مختلف بداخلي ..لازلت أذكر ذلك المكان المجاور للأرض الأسفلتية التي كنا نلعب عليها الكرة ، والذي كنا نحضر منه الكرة كلما شردت إثر ركلة طائشة من قدم أحدنا .. لازلت أذكر الوقت الذي زلّت فيه قدماي ووقعت على ظهري و قمت وأنا أبكي .. لا أدري حقا لم بكيت .. هل بسبب اتساخ سروالي جراء الوقوع على الأرض الطينية ، أم بسبب حرجي من الوقوع بذلك الشكل أمام أقراني .. المهم أنني بكيت .. والمهم أن المكان الآن مُحتَلّ من قبل عدة من المربعات الخرسانية التي تتدلى من شرفاتها بعض الملابس التي تركت لتجف والخاصة بقاطنيها .. ترى .. هل يعلم أحدهم أي شيء عمّ قلت .. أو أي شيء عمّ لم أقل ..؟
لم تعد الأمور كما كانت حقا ..

نفسا آخر و المزيد من الاتساع للأوزون .. الصبية أمامي يمسكون بشيء مضيء اكتشفت أنه هاتف جوال .. صبية دون العاشرة أو فوقها يتبادلون النغمات وربما صور مغنيين أو ممثلين عبر الأثير مرددين "بلو توث" و "ماسدج" .. أتذكر نفسي وقتها و أنا ألعب "استغماية" أو "السبع طوبات" .. ربما يلعبون هم أيضا ما كنت ألعبه من قبل - وهو ما لم أره في الواقع - .. ولكن لا أدري .. أنظر لهم مرة أخرى فلا يسعنى إلا أن أبتسم بشيء من الحزن ربما ..
لم تعد الأمور كما كانت من قبل ..


الطريق الذي اعتدت قيادة دراجتي فيه .. لم أعد أهوى قيادة الدراجات ..
أين ذهب ولعي بكرة القدم ..
سلاحف النينجا .. كابتن ماجد .. مازنجر .. النوم في التاسعة تمهيدا للاستيقاظ مبكرا من أجل الذهاب للمدرسة ........

نفس السيجارة الأخير .. أترك العقب يهوى على الأرض .. ألقي نظرة خارجية أخيرة على الموجودات حولي وداخلية على المفقودات بداخلي .. أتنهد ببحرارة .. أسمح للدخان بالخروج من صدري ليملأ بدوره الفراغ الهوائي من حولي ..

أغلق باب الشرفة من خلفي ..



التسميات: ,

 
posted by سيدوفسكي at 11:34 م | Permalink |


6 Comments:


  • At 7 نوفمبر، 2008 3:19 ص, Blogger Dr.Marwan Elhadary

    أيوه كده...خش علينا تانى بأسلوبك المهابى المميز...و الله و أنا باقرأها حسيت قد ايه العمر بيجرى بينا وحنيت أكتر لكل ذكرياتى..
    الله يسامحك يا مهاب بس فعلا أسلوبك سهل ممتنع و أكتر من رائع يا معلم...

     
  • At 7 نوفمبر، 2008 4:24 م, Anonymous Eng\Ahmed Faraf

    مع ان النهاردة عيد ميلادك والمفروض الهدايا تيجى مننا احنا لكن مهاب النهاردة هو اللى بيقدم لنا الهدية الجميلة المتمثلة فى هذا الكلام المؤثر,, فى انتظار قادم الكتابات ياجنرال البلوجات

     
  • At 13 نوفمبر، 2008 1:27 ص, Blogger سيدوفسكي

    مش معقول .. مارو .. حيث سيم داي .. سيم شيت

    لا وكمان جنرال فرجوفسكي .. هايل هتلر يا معلم

    نورتوني وثبتوني يا رجالتي والله

    تشكرات وميغسيهات يا مارو .. الذكريات هي شوية الخلايا في المخ اللي كل ما نقف عليهم بالماوس نحس اننا لسة ماتحولناش تحول كامل لآلات .. لذلك تلاقيني سعيد أن كلامي رجعك لذكرياتك

    جنرال فرج .. عارف انك كتبت الكلمتين دول قبل ما تنزل عشان عودة الأجازات .. عشان كده تحولت بقدرة قادر من فرج إلى فرف .. بس ما علينا .. خلاص ثابت

    شرفتوني يا رجالة .. بس هاعمل انا انصراف بالخطوة السريعة .. بــيس

     
  • At 3 ديسمبر، 2008 11:57 م, Blogger م/ الحسيني لزومي

    من اجل مصر
    شارك في الحملة الشعبية للقيد بالجداول الانتخابية وادعو غيرك
    ضع بنر الحملة علي مدونتك
    البنر موجود علي مدونتي
    اذا كنت ترغب في وضعه علي مدونتك ارسل ميلك كي ارسل لك كود البنر
    ارجو المعذرة للدخول بلا مقدمات لأني ادخل علي مئات المدونات يوميا

     
  • At 15 ديسمبر، 2008 1:04 ص, Anonymous وئام

    موهابي...ماتبطلش أبدا كتابة...

    وياريت تنشر قشعريراتك الدماغية..التى قرأتها أنا فى الخباثة!!

    أنا بأه كنت شايفة بالظبط اللى انت كنت بتتكلم عنه..

    وكل شوية بتجيبلي احاسيس بحاول أدفنها..عشان ماأعيطش..تقوم عينيا الساحرة تكبب...!!

    باحب جدا فى الكتابة العزف على فكرة الحنين إلي الماضي...

    بس مع أسلوبك بيكون الأمر له طعم آخر...أنت تحكي بصدق..

    هاقولك عبارة بايخة مابحبهاش طالعة موضة(إنت انسان جميل)
    كمل ..وياريت الناس تخل مدونتك ..لأنها مش أي كلام وعميقة...

    ولا يعنى لازم تبقى "ليزبيان""ولا "جاي" عشان تشتهر!!
    قبلاتى ..وإلي لقاء قريب

     
  • At 20 فبراير، 2009 3:08 ص, Blogger سيدوفسكي

    وئام
    ----

    أرد بعد زوال حالة الملل من الكتابة .. توقعي طبعا انها راجعة تاني لا محالة

    مش هاعلق على كلامك كتير لأن فات عليه كتير وانا كنت في حالة سبات شتوي رهيب بس عاوز اضيف كلمة جديدة من اللي طالعين موضة

    سلمت كيبوردك :)

    مرور جميل مرح رقيق كعادتك .. ورد عبيط غبي متأخر جدا مني كعادتي